نورالدين علي بن أحمد السمهودي

195

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

لسعد بن خيثمة ورفاعة ومبشر ابني عبد المنذر : أجيروه ، قالوا : أنت يا رسول الله فأجره فجوارنا في جوارك ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : يجيره بعضكم ، فقال سعد بن خيثمة : هو في جواري ، ثم ذهب سعد بن خيثمة إلى أسعد بن زرارة في بيته فجاء بن مخاصرة يده في يده ظهرا حتى انتهى به إلى بني عمرو بن عوف ، ثم قالت الأوس : يا رسول الله كلنا له جار ، فكان أسعد بن زرارة بعد يغدو ويروح إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم انتهى . وكان لكلثوم بن الهدم بقباء مربد ، والمربد : الموضع الذي يبسط فيه التمر لييبس ، فأخذه منه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فأسسه وبناه مسجدا كما رواه ابن زبالة وغيره . وفي الصحيح عن عروة : فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى ، وفي رواية عبد الرزاق عنه قال : الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف ، وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عائد ، ولفظه : ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال ، واتخذ مكانه مسجدا فكان يصلي فيه ، ثم بناه بنو عمرو بن عوف ؛ فهو الذي أسس على التقوى . وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن المسعودي عن الحكم بن عتيبة قال : لما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل بقباء قال عمار بن ياسر : ما لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بد من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلي فيه ، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء ، فهو أول مسجد بني ، يعني لعامة المسلمين أو للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة ، وهو في التحقيق أول مسجد صلّى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا ، وإن كان قد تقدم بناء غيره من المساجد ، فقد روى ابن أبي شبة عن جابر قال : لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم سنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة ، ولذا قيل : كان المتقدمون في الهجرة من أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم والأنصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلون فيه ، يعني هذا المسجد ، فلما هاجر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وورد قباء صلى بهم فيه إلى بيت المقدس ، ولم يحدث فيه شيئا : أي : في مبدأ الأمر ؛ لأن ابن شبة روى ذلك ، ثم روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بنى مسجد قباء وقدم القبلة إلى موضعها اليوم ، وقال : جبريل يؤم بي البيت ، وقد اختلف في المراد بقوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ فالجمهور على أن المراد به : مسجد قباء ، ولا ينافيه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لمسجد المدينة « هو مسجدكم هذا » إذ كل منهما أسس على التقوى على ما سيأتي إيضاحه . وفي الكبير للطبراني - وفيه ضعيف - عن جابر بن سمرة قال : لما سأل أهل قباء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يا بني لهم مسجدا قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليقم بعضكم فيركب الناقة » فقام أبو بكر رضي الله عنه فركبها فحركها فلم تنبعث ، فرجع فقعد ، فقام عمر رضي الله عنه فركبها